الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

46

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

قال سيبويه « 1 » القيدود الطويل في غير سماء - أي في غير ارتفاع صعدا » أراد أبو عليّ الاستظهار بكلام سيبويه على أنّ اسم السّماء يقال للفضاء الذّاهب في ارتفاع ( وليست عبارة سيبويه تفسيرا للآية ) . وحرف فِي يجوز أن يكون بمعنى ( إلى ) ، ويجوز أن يكون بمعنى الظرفية : إمّا بمعنى كأنّه بلغ السّماء وأخذ يصعد في منازلها ، فتكون هيئة تخييلية ، وإمّا على تأويل السّماء بمعنى الجوّ . وجملة : كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ تذييل للتي قبلها ، فلذلك فصلت . والرجس : الخبث والفساد ، ويطلق على الخبث المعنوي والنّفسي . والمراد هنا خبث النّفس وهو رجس الشّرك ، كما قال تعالى : وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [ التوبة : 125 ] أي مرضا في قلوبهم زائدا على مرض قلوبهم السّابق ، أي أرسخت المرض في قلوبهم ، وتقدّم في سورة المائدة [ 90 ] إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فالرجس يعمّ سائر الخباثات النّفسيّة ، الشّاملة لضيق الصّدر وحرجه ، وبهذا العموم كان تذييلا ، فليس خاصّا بضيق الصدر حتّى يكون من وضع المظهر موضع المضمر . وقوله : كَذلِكَ نائب عن المفعول المطلق المراد به التّشبيه والمعنى : يجعل اللّه الرجس على الّذين لا يؤمنون جعلا كهذا الضيق والحرج الشّديد الّذي جعله في صدور الّذين لا يؤمنون . و عَلَى في قوله : عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ تفيد تمكّن الرجس من الكافرين ، فالعلاوة مجاز في التمكّن ، مثل : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ * [ البقرة : 5 ] والمراد تمكّنه من قلوبهم وظهور آثاره عليهم . وجيء بالمضارع في يَجْعَلْ لإفادة التّجدّد في المستقبل ، أي هذه سنّة اللّه في كلّ من ينصرف عن الإيمان ، ويعرض عنه . و الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ موصول يومئ إلى علّة الخبر ، أي يجعل اللّه الرجس متمكّنا منهم لأنّهم يعرضون عن تلقّيه بإنصاف ، فيجعل اللّه قلوبهم متزايدة بالقساوة . والموصول

--> ( 1 ) في باب ما تقلب فيه الواو ياء من « كتاب » سيبويه ، أي كما أطلق سيبويه في كلامه السّماء على الارتفاع .